محمد سعيد رمضان البوطي

104

فقه السيرة ( البوطي )

ثم إن ابنيّ ربيعة - صاحبيّ البستان - تحركت الشفقة في قلبهما ، فدعوا غلاما نصرانيا لهما يقال له : ( عداس ) فأرسلا إليه قطفا من العنب في طبق ، فلما وضع عداس العنب بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال له : كل ، مدّ الرسول يده قائلا : « بسم اللّه » ، ثم أكل ، فقال عداس متعجبا : واللّه إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد ، فقال له الرسول : « ومن أي البلاد أنت ؟ وما دينك » ؟ قال : نصراني ؛ وأنا رجل من أهل نينوى - قرية بالموصل - فقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « من قربة الرجل الصالح يونس بن متى » ؟ فقال عداس : وما يدريك ما يونس بن متى ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ذلك أخي ، كان نبيا وأنا نبي » . . فأكبّ عداس على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه « 1 » . قال ابن إسحاق : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انصرف من الطائف راجعا إلى مكة ، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي ، فمر به النفر من الذين ذكرهم اللّه تبارك وتعالى ، فاستمعوا له ، فلما فرغ من صلاته ولّوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا . وقد قصّ اللّه خبرهم عليه صلى اللّه عليه وسلم في قوله : وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [ الأحقاف : 29 ] إلى قوله : وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الأحقاف : 31 ] ، وقوله : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [ الجن : 1 ] . . الآيات . ثم عاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - ومعه زيد بن حارثة - يريد دخول مكة . فقال له زيد : كيف تدخل عليهم يا رسول اللّه وهم أخرجوك ؟ فقال : « يا زيد إن اللّه جاعل لما ترى فرجا ومخرجا وإن اللّه ناصر دينه ومظهر نبيه » ، ثم أرسل رجلا من خزاعة إلى مطعم بن عدي يخبره أنه داخل مكة في جواره ، فاستجاب مطعم لذلك ، وعاد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى مكة « 2 » . العبر والعظات : إذا تأملنا في هذه الهجرة التي قام بها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وما انطوت عليه من العذاب الواصب الذي رآه عليه الصلاة والسلام ، ثم في شكل عودته إلى مكة نستخلص الأمور التالية : أولا : إن ما كان يلاقيه النبي عليه الصلاة والسلام من مختلف ألوان المحنة ، لا

--> ( 1 ) انظر تفصيل ذلك في سيرة ابن هشام 1 / 420 . ( 2 ) طبقات ابن سعد : 1 / 196 ، وسيرة ابن هشام : 1 / 381 .